مواطنون يروون المعاناة في أروقة القضاء
''المحكمة لا تتمناها حتى لعدوك''
بيروقراطية العدالة لا مثيل لها
كان الجزائريون في السابق يقولون عن السجن ''لا تتمناه حتى لعدوك''. أما اليوم فصاروا يطبقون هذه المقولة على العدالة، نظرا لما يعانيه الذين يقصدونها للتقاضي من مشاق، قد يتحول إلى شقاء.
روى مسجون خرج هذه الأيام من المؤسسة العقابية لوهران، أنه التقى فيها محبوسا محكوم عليه بسنة حبسا نافذا بتهمة سرقة هاتف نقال. واستدلت المحكمة لإصدار هذه العقوبة بكون ضحية السرقة قالت للمحققين، أن سارق هاتفها النقال كان يرتدي حذاء رياضيا من نوع ''العنكبوت''. وتم القبض على هذا الشخص الذي كان يرتدي حذاء مشابها، كان متوجها يوم الحادث إلى إحدى الوكالات البنكية وسط مدينة وهران، حيث وقعت السرقة، لسحب الأموال من رصيده. هذا الشخص المتهم ''بارتداء حذاء العنكبوت'' يشتغل في مؤسسة سوناطراك ويتلقى راتبا محترما جدا ولم يسبق له أن دخل مقر شرطة أو درك وما زال يصرخ ببراءته من داخل سجن وهران، لكن الآلة تحركت ضده ولا يمكن أن تتوقف. لهذا السبب وغيره صار الناس ''لا يتمنون لأعدائهم أن يصلوا إلى المحاكم، لأنها في كثير من الحالات تؤدي إلى السجن أو فقدان الحقوق، ومنها أقدس حق وهو الحرية''.
ويتداول الناس في كل أنحاء الجزائر حكايات لأشخاص ''يقيمون'' في المحاكم، وصاروا متخصصين أكثر من القضاة والمحامين في تفاصيل التقاضي ومستوياته، وهذا بفعل استغراق قضاياهم عقودا طويلة. مثل قضية ذلك المواطن الذي ورث حماما من والده، وكان الحمام قبل وفاة المالك مستأجرا من طرف شخص آخر، وعندما أراد استرجاعه اصطدم بتعقيدات القضاء. وتستغرق القضية التي رفعها لاسترجاع ملك والده 30 سنة كاملة. صعدت إلى المحكمة العليا ونزلت وعادت إليها ورجعت من جديد إلى وهران. وما زالت القضية عالقة لأن الخصم يعتبر أنه من حقه امتلاك الحمام لأنه يملك قاعدته التجارية. وفي غليزان حكمت محكمة وادي ارهيو بالحبس النافذ ضد مساهم في شركة، لا يملك صفة المسير، رغم أنه حاز على حكم البراءة من غرفة الاتهام لمجلس قضاء غليزان في نفس القضية، ورغم أن الشركة التي يعتبر مساهما فيها رفعت دعوى قضائية ضد والي ولاية غليزان الذي أوقف المشروع الذي توبع بسببه.
ولقد سعينا مع العديد من المواطنين الذين يتابعون القضايا التي رفعوها أمام المحاكم في وهران منذ سنين طويلة، ليرووا للقراء معاناتهم فأحجموا وحجّتهم أنه ''إما أن يسردوا كل التفاصيل، ففي هذه الحالة لا يستبعدون أن يتضاعف التعقيد وأنهم ليسوا في منآى عن الانتقام، لأنهم يعرفون بالتفصيل كيف تسير العدالة الجزائرية. أما أن يسردوا عموميات، فإن كل الناس تعرفها وحتى وزير العدل، الذي تصله رسائل المتقاضين التي يضمّنونها أسماء الذين يسيّرون العدالة دون أن يكونوا قضاة'' كما يقولون.